عبد الكريم الخطيب
12
التفسير القرآنى للقرآن
ولو جاء النظم هكذا : قل أرأيتم من أضل منكم إن كان هذا الرسول من عند اللّه ، ثم كفرتم به - لنفروا نفار الحمر الوحشية ، ولما استقبلوا هذه الدعوة التي يدعون إليها ، إلا بالصد والإعراض ، أو بالسب والشمّ ، فيفوت بذلك الغرض المقصود من الإمساك بهم في هذا الموقف ، لينظروا في تلك المرآة ، التي يرون شخوصهم مائلة فيها ! قوله تعالى : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ . . أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . . » أي أن هؤلاء المشركين ، الذين شكّوا في رسول اللّه ، وفي آيات اللّه التي بين يديه - سيريهم اللّه آياته في الآفاق البعيدة عنهم ، وفي ذات أنفسهم ، وستكشف لهم هذه الآيات التي يرونها ، أن هذا الرسول حق ، وأن الكتاب الذي بين يديه حقّ . والآيات التي رآها المشركون في الآفاق وفي أنفسهم كثيرة . . منها هذا المجتمع الجديد الذي قام لدعوة الإسلام في المدينة ، واجتمع فيه المهاجرون والأنصار . . ومنها ازدياد قوة الإسلام ، وشوكة المسلمين ، يوما بعد يوم . . ومنها انتصار المسلمين يوم بدر وهم قلة ، وانتصارهم يوم الخندق بغير حرب . . ومنها جلاء اليهود عن المدينة ، وإنزالهم من صياصيهم . . ومنها فتح خيبر . . ثم منها فتح مكة . . ففي هذه الآيات رأى كثير من المشركين أن هذا الدين هو دين اللّه ، وأن الرسول رسول اللّه ، وأن الكتاب كتاب اللّه ، فجاءوا من كل فج يطلبون الإسلام ، ويدخلون في دين اللّه أفواجا . وقوله تعالى : « أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »